أمام سرعة التطوّر التي تجتاح العالم على كافة الأصعدة، وخصوصاً على مستوى التقنيّات الطبّية ووسائل الاتصال وتطوّر الطبّ عبر الانترنت، تبدو حاجة الأطباء الى التكيّف مع هذه المستجدّات لتطوير مهاراتهم العلاجية والطبّية أمراً ضرورياً. فما هي آخر المستجدّات الطبّية في جراحة الأعصاب والدماغ في لبنان؟
بعد أن غزت وسائل البحث الإلكترونية العالم، وليس فقط في الأمور الترفيهية، بل تعدّتها لتشمل الأمور الطبية، بتنا نرى المريض يبحث عن تشخيص عوارضه الطبية بنفسه قبل التوجّه للحصول على الرعاية اللازمة من أصحاب الاختصاص.

هذه المشهديّة لم تغب عن أنظار جرّاحي الاعصاب والدماغ في لبنان، وبهدف تبادل الخبرات والاطلاع على آخر المستجدّات الطبية في هذا المجال، عُقد مؤتمر «جراحة الاعصاب والدماغ» الذي نظّمته الجمعية العالمية لجراحي الدماغ والاعصاب المتحدّرين من أصل لبناني والجمعية اللبنانية لجرّاحي الدماغ والاعصاب بالتعاون مع نقابة أطباء لبنان.

التبادل الطبي

الى ذلك، تكثر التحدّيات التي يواجهها الاطباء، لا سيما في ضوء اتّساع معرفة المرضى عن أمراضهم من خلال وسائل البحث الإلكتروني. وفي هذا السياق، أشار رئيس الجمعية العالمية لجرّاحي الدماغ والاعصاب المتحدّرين من أصل لبناني الدكتور باسكال جبّور الى أنّه «يجب أن يكون الأطباء مرنين في التعامل مع التطوّرات ليتمكّنوا من التأقلم مع رياح التغيير».

وفي حديث خاص لـ«الجمهورية» أكّد جبّور أنّ «هذا النوع من المؤتمرات يُعقد كلّ سنتين بهدف تأمين التبادل الطبي بين الجرّاحين اللبنانيين والمتحدّرين من أصل لبناني وحتى غير اللبنانيين، لمناقشة أحدث الدراسات التي تمّ التوصل اليها في هذا المجال».

لم تقتصر الدراسات التي كانت محور المؤتمر على مصدر واحد، بل كانت متنوّعة وشملت مصادر عدة، منها الاوروبية والاميركية والعربية، ويقول جبّور: «ترتكز المناقشة على أحدث العلاجات والتقنيات الطبية المستعملة لمعالجة جراحة العامود الفقري والورم والشرايين في الدماغ وجلطات الرأس».

لا حاجة لفتح الرأس!

وفي التفاصيل، يخبر جبّور عن الطرق العملية الطبية التي تمّ التوصل اليها قائلاً: «إن أخذنا مثلاً الجلطة التي تصيب الدماغ، يلعب التدخّل الطبي دوراً أساسياً لتجنيب المريض من خطر الاصابة «بالفالج»، والتطوّر سمح لنا بالابتعاد من فتح الرأس لحلّ مشكلة طبّية معيّنة، وأصبح بإمكاننا التدخّل جراحياً والتوجّه من شرايين الرِّجل الى شرايين الرأس للتخلّص من الدم المتجمّد الذي يكون سبب انسداد الشرايين، وكذلك الحال في بعض الحالات الأخرى كالانفجار الذي يصيب الرأس وورم الدماغ ومشكلات العامود الفقري».

لبنان بين الكفاءة وتطوّر التقنيات

بعد أن سمح التطوّر بالابتعاد عن الكثير من العمليات التي كانت تُعتبر خطيرة على حياة الانسان، واستبدالها بوسائل أخرى متطوّرة وفعّالة بأقل نسبة خطورة، قد يتساءل البعض اذا كانت هذه التقنيات الحديثة موجودة في لبنان، وهل يمكن للجراح اللبناني استخدامها؟

يجيب د. جبّور «يمكن تطبيق الدراسات والعلاجات الجديدة في لبنان خصوصاً أنّ كفاءة الجراحين اللبنانيين عالية جدّاً، ولكن ما يشكّل عائقاً في هذا الموضوع، هو تأخّر وصول الاجهزة الحديثة ذات الكلفة المرتفعة الى البلد.

إلّا أنّ تبادل الخبرات والمعارف الذي ترتكز عليه فكرة هذا المؤتمر، يسمح للجراح اللبناني بالتوجّه لزيارة أيّ جراح آخر خارج لبنان، والقيام بالعملية التي يريدها حيث تكون الاجهزة الحديثة متوفّرة. وبهذه الطريقة أيضاً، نُطلق اسم لبنان في الخارج، لاسيما انه رغم كل الازمات في البلد، فإنّ سمعة الجراحين اللبنانين ممتازة».

الدورات التدريبية

من المهم أن يستمرّ الطبيب بالاطّلاع على المعلومات الطبية الجديدة، وأن يواكب التطوّر عبر الدورات التدريبية. وفي هذا الاطار، شدّد نقيب أطباء بيروت البروفيسور ريمون الصايغ «على أهمية المستوى العلمي للاطباء اللبنانيين، وكيف أنّ العالم يشهد على مستوى الطب في لبنان من خلال الاطباء اللبنانيين المنتشرين، وعلينا الحفاظ على هذه الصورة بالتزام الآداب الطبية والنوعية الطبية.

كما أنه من المهم تزويد المريض بكل المعلومات اللازمة عن مرضه وطريقة علاجه ومساره والمعدات الطبية المستعمَلة في ذلك والمضاعفات التي يمكن أن يتعرّض لها من خلال تعريفه بواجباته وحقوقه صوْناً للطبيب وتوعية للمريض. كما أنه من الضروري الاستمرار في التثقيف الطبي ووجوب إعادة النظر في معلومات الطبيب التقنيّة والطبية»، معتبراً أنّه «من واجبات نقابة الاطباء الاهتمام بهذا الموضوع والسهر على تنفيذه».

إنجازات لبنان

من جهة أخرى، لفت رئيس الجمعية اللبنانية لجرّاحي الدماغ والاعصاب الدكتور خالد ابو خالد في حديث لـ»الجمهورية» الى أنّ «المؤتمر، مناسبة لتبادل الخبرات والتعرّف عن كثب الى إنجازات مغتربينا ولنفرح بنجاحاتهم ووصولهم الى أعلى المراتب في البلدان حيث يعملون. كما أنّ الجمعية تسعى الى تنظيم مؤتمرات في كل المناطق اللبنانية والى توحيد البروتوكولات في كل المستشفيات».

وأضاف: «لبنان عرض إنجازاته الطبية في هذا المؤتمر ولم تكن مشاركتنا فقط للاطّلاع على إنجازات الغرب. وتجدر الاشارة، الى أنّ الجمعية تتألّف من أطباء من جميع المدارس الطبية إن كانت الفرنسية أو الأميركية، وهذه نقطة مهمة للتعاون على كيفية استخدام التقنيات الطبية الحديثة».

السياحة الطبّية

لا يغيب التطوّر الطبي عن لبنان، الذي بات طاقمه الطبي يعالج كل أمراض الدماغ والأعصاب تقريباً، وحتى إنه يستقبل مرضى من الدول المجاورة، ما عزّز السياحة الطبية في البلد.

ويعدد د. أبو خالد الأمراض التي تعالج بالتقنيات الحديثة في لبنان، قائلاً: «داء الصرَع مثلاً، فبعدما كنا في السابق نَصِف للمريض عدداً من الادوية، والتي لم تكن تحلّ نوبات الهلع، أصبح باستطاعتنا اليوم إنهاء هذه المعاناة للمريض عبر التدخّل الجراحي الحديث والمتطور. كذلك، بالنسبة لمشكلات الشرايين، التي كانت تحتّم علينا فتح رأس المريض لعلاجه.

أمّا حالياً فنكتفي بالدخول عبر الشرايين الأساسية في اليد أو في للوصول الى الرأس. كما شمل التطوّر أيضاً، جراحة الديسك والقدم. واضافةً الى ذلك، لم نعد بحاجة للكثير من الوقت كالسابق لإجراء هذه العلاجات، لاسيما مع استعمال الميكروسكوب والتقنيات الحديثة. ولكن للأسف، لا تتوفر هذه التقنيات في كل مستشفيات لبنان، ولكن يتمّ العمل على التعاون بين الجرّاحين من أجل خدمة المريض اللبناني».